الرومانسية
طريق واسع ، تحده الأسوار على جانبيه
لم أكتب الكثير من القصص الرومانسية ، كل ما كتبته لا يتعدى أصابع اليد الواحدة ، ربما هي ثلاثة قصص أو أربعة فقط ، منها واحدة كبيرة ، والبقية مجرد قصص قصيرة ، وربما واحدة قصة قصيرة جداً ، ذات الصفحة الواحدة .
إذن لماذا أتحدث عما لا دخل لي فيه ؟
ببساطة ، لأن هذه التجارب البسيطة عن كتابة القصص الرومانسية لا شك أنني خرجت منها بفكرة أو فلسفة ما ، وأنا أحب أن أطرح أفكاري على الملأ ، صحيحة كانت أم خاطئة .. فلو كانت صحيحة ؛ فلله الحمد والمنة ، وإن كانت خاطئة ؛ فسأجد حتما من يشير نحو الخطأ قائلا : هذا خطأ . عندها أكون قد كسبت معرفة وصديقا .
هل ندخل في صلب الموضوع ؟ هلم بنا إذن .
سبحت قليلا في بحر القصص الرومانسية ، ثم خرجت سريعا لأجفف نفسي منها .. الحقيقة أنني لم أرتح كثيرا في ذلك العالم .. ليس لأن القصص الرومانسية سيئة أو أنها لا تصلح ، بل لأنني لم أجد نفسي فيها .. أنا عالمي مختلف .. عالمي هو الخيال العلمي أو قصص المغامرات .. عالم رجولي بحت .. أو ربما هو طفولي بحت .. لست أدري !
يخطئ من يظن أن الرومانسية عالم خاص بالنساء ، أو الفتيات المراهقات ، لكن الحقيقة أن الفتيات يملن إليه أكثر ، ويقرأنه بطريقة أعمق .. أنا نفسي قرأت الكثير من القصص الرومانسية ، وكثير من القصص أعجبتني ، بل لقد عشت في ذلك العالم بكياني كله في فترة من الفترات ، ربما لأنني كنت حينها مراهقا .
مشكلة الكثيرين أنهم ينظرون إلى القصص الرومانسية بنظرة خاطئة ، حتى أولئك الذين يرون أنفسهم مخضرمين فيها .. المشكلة أنهم ينظرون إلى القصص الرومانسية على أنها قصص الحب ، التي تنتهي إما نهاية سعيدة بين الفتى والفتاة ، أو نهاية تعيسة ، تجعل القارئ يزرف الدموع في توجع .
هذا نوع من القصص الرومانسية ، لكنه نوع هدام أكثر منه بناء بوجهة نظري .. القصص الرومانسية هي القصص التي تتحدث عن القلب صحيح ، وعن الحب أكيد ، لكن الكاتب ليس ملزما أن يكتب قصة حب عن فتى وفتاة ، بل الرومانسية هي الحب بين أي فرد من أفراد العائلة : قصة أم أو أب مع الأبناء .. قصة عجوز هجرها كل من حولها .. قصة مريض لم يعد أحد يزوره بعد مرضه .. قصة تتحدث عن حالة زوجة يغيب عنها زوجها فترة طويلة ، أي ألم وجنون يصيبها .. لاحظوا أن أندر القصص الرومانسية هي التي تتحدث عن الأزواج ، وكأننا نعلن صراحة أن الزواج هو مفتاح لهدم السعادة .. وكأننا نعلم شبابنا أن هلم نحب ، لكن لنؤخر الزواج ، فالزواج نقيض الرومانسية ، رغم أن الزواج هو الرومانسية الحقيقية .. اقرأ إن شئت كيف كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجه رضوان الله عليهن .
المشكلة أن الكثير من كُتـَّاب القصص الرومانسية أنفسهم لا يعرفون هذه الحقيقة ، ولذلك نجد أغلب قصصهم تكرر نفسها بنفسها ، فكلها تتحدث عن فتى وفتاة أحبا بعضيهما البعض ، ثم واجهتهما مشاكل من طرف الآباء .. حاولوا ألا تقيدوا أنفسكم .. انطلقوا إلى عالم أرحب مما أنتم فيه .
ولكن .. حتى الانطلاق إلى عالم أرحب له قوانينه في عالم الرومانسية .. قرأت مرة قصة رومانسية تتحدث عن مريضة نفسية بمرض انفصام الشخصية ، وجعل الكاتب يسهب في وصف المرض وأعراضه ونواتجه ، حتى وكأنه حول القصة من الرومانسية إلى التراجيدية .. علينا أن تختار مواضيعنا بدقة أكثر .. فنحن في عالم رقيق ، لا يحتمل أن نتشدق فيه بهذه الطريقة .
هناك أيضا التعبير ، فلكي تكتب قصة رومانسية ، على قلمك أن يكون رومانسيا بدوره ، وأن تختار الألفاظ الرقيقة ، دون التعمق في المصطلحات المعقدة .. فلو كان الموقف عبارة عن حوار هائج ، لا داعي لوصف طريقة الحديث .
اقرأ هذا المثال للتوضيح :
دخل ( سليمان ) منزله وهو يصرخ غاضبا :
ــ أين أنت أيتها الزوجة البلهاء ؟
من المطبخ تخرج ( شهلاء ) فزعة وهي تجيبه :
ــ أنا هنا يا ( سليمان ) .. خيرا .. ما الذي حصل ؟
يلوح ( سليمان ) بكلتا ذراعيه صارخا :
ــ ألم آمرك بعدم إفشاء السر الذي كان بيننا ؟ لماذا أخبرت به جارتنا أم ( بدر ) ؟
ارتجف جسد ( شهلاء ) ، وقالت في ذعر :
ــ أنا ؟ أقسم لك أنني لم …
قاطعها في غلظة :
ــ لا تقسمي .. لقد أخبرتني أم ( بدر ) نفسها أنك أنت من أخبرها .
قالت ( شهلاء ) مدافعة عن نفسها :
ــ وهل أنت أعمى عن أم ( بدر ) ؟ إنها مشهورة بمرضها في أنها تسعى إلى دمار البيوت السعيدة .
والآن لنقرأ نفس الحوار ، ولكن بطريقة أخرى :
دخل ( سليمان ) منزله وهو يصرخ غاضبا :
ــ أين أنت أيتها الزوجة البلهاء ؟
من المطبخ تخرج ( شهلاء ) فزعة :
ــ أنا هنا .. خيرا .. ما الذي حصل ؟























لا أستطيع بدقة تحديد علاقتي مع الأدب ، هل كانت مع أول قصة كتبتها ؟ أم مع أول قصة قرأتها ؟ أم مع أول مرة أمسكت بها القلم ؟ أم قبل ذلك ؟